عبد السلام احمد الراغب
8
وظيفة الصورة الفنية في القرآن الكريم
وحين كثرت الدراسات المعاصرة حول « الصورة » نجد أن الأدباء والنقاد كرّسوا جهودهم على دراسة « الصورة الشعرية » ، ولم يهتموا بدراسة الصورة القرآنية ، على الرغم من روعة بنائها الفني ، وإيقاعها الفريد ، وقوة تأثيرها في النفوس ، فجاءت هذه الدراسات التنظيرية للصورة قاصرة وناقصة بسبب هذا الإهمال لظاهرة التصوير في التعبير القرآني . وأستثني من هؤلاء الدارسين « سيد قطب » الذي خصص كتابا مستقلا لها عنوانه « التصوير الفني في القرآن » فكان بذلك أول من لفت الانتباه إلى ظاهرة الإعجاز في التصوير القرآني ، ولكنه أيضا قصر دراسته على الجانب الفني دون الجانب الوظيفي لها ، كما صرّح هو بذلك في مقدمة كتابه يقول : « إذ كان همي كله موجها إلى الجانب الفني الخالص » « 1 » ، ويقول أيضا : « ولكننا إنما ننظر إليها هنا من الوجهة الفنية البحتة » « 2 » . ولهذا رأيت ضرورة دراسة وظيفة الصورة أيضا ، ولا سيما أن كتاب سيد قطب مضى على إصداره أكثر من نصف قرن تقريبا ، وقد ظهرت في هذه الفترة دراسات نقدية قيّمة ، يمكن الاستفادة منها في دراسة الصورة القرآنية . إن الصورة الفنية في القرآن تخاطب الكينونة الإنسانية مجتمعة بما فيها من عقل وحس ووجدان ، وتعزف على أوتار النفس المتقابلة لتقيم التوازن بينها حتى ترتسم صورة الإنسان « النموذج » بأبعاده الفكرية ، لهذا كان لا بدّ من دراسة الصورة الفنية دراسة سياقية ، تتجاوز الخصائص الفنية للمفردة القرآنية ، والتركيب إلى دراستها في « النسق » القرآني كلّه . وبذلك تتكامل دراسة الصورة من حيث « السياق والنسق » في تقديم المعنى المطلوب ، والنموذج الإنساني المنشود ، لتتحقق بذلك وحدة الصورة الفنية في وحدة النص . ويبرز نظام العلاقات في هذه الدراسة السياقية بصورة جلية واضحة ، وأعني به نظام العلاقات التعبيرية والتصويرية والفكرية ، فهو سرّ الإعجاز في التعبير والتصوير ، كما أنه سرّ الإعجاز في خلق الإنسان وتكوينه ، وخلق الكون وتصميمه . وقد حاولت في هذا الكتاب أن أوضح هذا النظام في التصوير الفني في القرآن ،
--> ( 1 ) التصوير الفني في القرآن : ص 9 . ( 2 ) المصدر نفسه : ص 242 .